وسط قرى اليمن المنسية ومخيمات النزوح المتناثرة في أطراف البلاد، تتجلى واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية في العالم، يدفع الأطفال ثمنها الأكبر. فبعد أكثر من عقد من الحرب والصراعات، باتت الطفولة في اليمن عنوانًا للمأساة، لا للبراءة.
بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، فإن نصف أطفال اليمن دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، فيما يواجه أكثر من 537 ألف طفل خطر الموت بسبب "سوء التغذية الحاد الوخيم"، وهو شكل من أشكال الجوع القاتل، الذي يفتك بالجسد الصغير بصمت وبطء، لكنه قابل للعلاج الكامل إذا توفرت الرعاية المناسبة في الوقت المناسب.
"هذا ليس مجرد أزمة صحية، إنه حكم بالإعدام على الطفولة"، جاء ذلك في تقرير صادر عن المنظمة، حذرت فيه من أن الطفل المصاب بسوء التغذية الحاد الوخيم أكثر عرضة للوفاة بـ11 مرة مقارنة بالأطفال الأصحاء. وأضافت: "دون تدخل عاجل، سيفقد اليمن جيلًا كاملًا من الأطفال، ليس فقط بالموت، بل بإعاقات ذهنية وجسدية دائمة".
ولم تقف الكارثة عند الأطفال، فبحسب ذات التقرير، فإن أكثر من 1.4 مليون امرأة حامل ومرضع يعانين من سوء التغذية، مما يعمّق دائرة المعاناة ويفتح الباب لجيل جديد يُولد ضعيفًا، هشًا، دون مقومات للبقاء.
وتُعزى هذه الكارثة، بحسب اليونيسف، إلى عوامل صنعها الإنسان: حرب دمرت الاقتصاد والبنية التحتية، وتسببت في انهيار النظام الصحي، وحرمت ملايين الأسر من مصادر الدخل، وسط ارتفاع جنوني في أسعار الغذاء بنسبة تجاوزت 300% منذ عام 2015، وتضرر أو إغلاق الموانئ والطرق الحيوية لإيصال الغذاء والدواء.
وفي مناطق ريفية نائية مثل مديرية الزهرة بمحافظة الحديدة، يبدو الواقع أكثر فتكًا. الدكتور طارق هادي محمد، وهو طبيب يعمل في مركز صحي تدعمه منظمة الإغاثة الإسلامية، روى كيف يموت الأطفال حرفيًا من الجوع أمام عينيه.
"في أحد الأيام، أحضر القرويون طفلة على وشك الغيبوبة. بدأنا علاجها فورًا وتعافت. لكن أختها الصغرى جاءت بعدها وكانت حالتها ميؤوسة… كانت مجرد جلد على عظم. لم نستطع إنقاذها"، قال الطبيب باكيًا.
ويضيف: "نخدم في هذا المركز أكثر من 12 ألف شخص، بينما قدرته الاستيعابية لا تتجاوز 8 آلاف. معظمهم من النازحين والمزارعين الفقراء الذين فقدوا كل شيء بسبب الحرب".
وبينما تكافح الأسر للبقاء على قيد الحياة، يجد الأطفال أنفسهم محرومين من أبسط الحقوق، مثل الغذاء والماء النظيف والتعليم. هادي علي حسين، مزارع من نفس المنطقة، قال إنه لم يكن يملك ما يكفي من المال لإطعام ابنته، ما تسبب في مرضها. "في قريتنا، معظم الناس يأكلون وجبة واحدة في اليوم، هذا إن توفرت"، يقول هادي.
من جانبه، قال صديق خان، مدير مكتب الإغاثة الإسلامية في اليمن، إن المنظمة تدعم حاليًا 185 مركزًا صحيًا في خمس محافظات، وقدمت العلاج الغذائي لأكثر من 249 ألف شخص في عام واحد، إلى جانب دعم مباشر لـ2.56 مليون شخص بالغذاء والرعاية الصحية.
ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلًا ومليئًا بالعقبات. فبحسب اليونيسف، فإن نداء الاستجابة الإنسانية للعام 2025 لم يُمول سوى بنسبة 25%، مما يعني أن الملايين قد يُحرمون من خدمات الرعاية الأساسية إذا لم تتوفر الموارد فورًا.
في الوقت الذي تحاول فيه المنظمات الدولية كبح جماح هذه الكارثة، تؤكد اليونيسف على أمرين أساسيين: ضرورة تمويل خطة الاستجابة بشكل عاجل، وحماية وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. "على أطراف النزاع السماح بدخول المساعدات، وإطلاق سراح العاملين الإنسانيين المعتقلين"، جاء في التقرير.
اليمنيون، وعلى رأسهم الأطفال، لا يستطيعون الانتظار عقدًا آخر. فكل دقيقة تمر، تعني فقدان طفل جديد في مكان ما. وبينما يحلم العالم بالسلام، لا يطلب أطفال اليمن سوى الغذاء، العلاج، وبارقة أمل في غدٍ لا يحمل لهم الألم ذاته.
إن ما يعيشه أطفال اليمن اليوم ليس مجرد معاناة عابرة، بل مأساة مستمرة تهدد مستقبل أمة كاملة. فكل طفل يُحرم من الغذاء والرعاية هو جرح مفتوح في ضمير العالم. وبينما تبقى الأرقام مرعبة، تبقى القصص الإنسانية أكثر وجعًا… فتاة تموت جوعًا في حضن أمها، وطفل يختنق في صمت من الجوع. لا يجب أن يكون البقاء على قيد الحياة حلمًا بعيد المنال لطفل وُلد فقط في المكان الخطأ وفي الزمان الأسوأ.
ربما لا نستطيع إيقاف الحرب، لكننا نستطيع أن نُحدث فرقًا. يمكننا أن ننقل صوت هؤلاء الأطفال، أن نطالب بدعمهم، أن نُذكر العالم أن هناك وجوهًا صغيرة تنتظر بصيص أمل. لا تكتفِ بقراءة هذه الكلمات… شاركها، وانشرها، وكن صوتًا للذين لا صوت لهم.
..........................كلمات مفتاحية
معاناة الأطفال في اليمن
سوء التغذية في اليمن
أطفال اليمن في الحرب
الوضع الإنساني في اليمن
تقرير عن أطفال اليمن
الحرب وتأثيرها على الأطفال
الجوع في اليمن
أطفال اليمن 2025
منظمة اليونيسف اليمن
الإغاثة الإسلامية اليمن
التغذية العلاجية في اليمن
تقارير إنسانية عن اليمن
أزمة اليمن الإنسانية
حقوق الأطفال في اليمن
سوء التغذية الحاد الوخيم
اليمن بعد عشر سنوات من الحرب
رابط المصدر : https://reliefweb.int/report/yemen/child-malnutrition-rising-again-yemen-after-10-years-war?utm_source=rw-subscriptions&utm_medium=email&utm_campaign=country_updates_255
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق