الخميس، 24 أبريل 2025

التحريج في اليمن: بذور الأمل في أرض الحرب




في بلدٍ مزّقته الحرب وتكاد تغطيه الرمال أكثر من الأشجار، بدأت اليمن قصة استثنائية من النهوض البيئي، تقودها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) منذ عقود. وبينما تمضي البلاد في صراع مستمر أنهك إنسانها وأرضها، كان مشروع التحريج الوطني هو القصّة التي لم يُسلَّط عليها الضوء كثيرًا، لكنها شكلت فارقًا في الأمن الغذائي ومكافحة التغير المناخي.

مشروع بدأ من الرماد

انطلقت مبادرة التحريج في اليمن في سبعينيات القرن الماضي، وتحوّلت مع مرور الوقت إلى حملة وطنية تسعى لتعويض الفاقد البيئي والزراعي الناتج عن التوسع العمراني والاحتطاب والجفاف. اعتمد المشروع على توزيع شتلات محسنة محليًا، قادرة على التكيّف مع المناخ اليمني، وشجّع المجتمعات المحلية، من مدارس وجامعات وتعاونيات نسوية، على زراعتها.

وبمشاركة وزارات وهيئات حكومية وخاصة، تأسست لجنة وطنية للتحريج، وأُطلق يوم وطني سنوي للتحريج. أصبح الحدث فرصة لتعزيز الوعي البيئي، وحشد الدعم المجتمعي، وتحفيز المشاركة المحلية في الزراعة.

ثمار النجاح في زمن الانهيار

رغم الحرب والانهيار الاقتصادي، استطاع المشروع أن يحقق نتائج لافتة. فقد أدى إلى تقليص الاعتماد على استيراد الغذاء، وزيادة إنتاج البن، واللوز، وعسل السدر، وهي منتجات تمثل العمود الفقري لاقتصاد الريف اليمني. كما حسّن من الأمن الغذائي وساهم في تعزيز مصادر دخل المزارعين.

في الوقت نفسه، ساعد المشروع في تحسين كفاءة استخدام المياه، عبر أنظمة ري أكثر فاعلية، وخفّف من معدلات التصحر المتسارعة التي باتت تهدد الزراعة في البلاد.

التحديات والعقبات

ومع كل هذا النجاح، لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. يواجه المشروع تحديات كبيرة، أبرزها ضعف البنية التحتية للمشاتل الحكومية، ونقص التمويل المحلي، وغياب الدعم الثابت من الجهات الرسمية. ونتيجة لهذه التحديات، باتت الاستمرارية رهنًا بالمساعدات الدولية، ما يثير القلق حول مستقبل التحريج كمشروع استراتيجي مستدام.

توصيات لإنقاذ المستقبل

توصي الفاو بضرورة توفير ميزانيات وطنية ثابتة لدعم برامج التحريج، وتعزيز الحملات الإعلامية لخلق ثقافة بيئية مجتمعية، والتوسع في الشراكات مع منظمات التنمية الدولية. كما تدعو إلى بناء قدرات الكوادر الزراعية لمواجهة التغير المناخي، وتكييف أساليب الزراعة وفقًا للظروف المحلية.

رسالة من قلب الغصن الأخضر

في اليمن، لم تكن الزراعة يوما مجرد مهنة. إنها حياة. ومشروع التحريج الوطني يعكس كيف يمكن لغرسة صغيرة أن تحمل بين أوراقها وعدًا بحياة أفضل، حتى في أكثر البيئات قسوة. وبينما تستمر الحرب، يزرع اليمنيون أشجارهم بيد، ويقاومون الانهيار باليد الأخرى، في مشهد يلخص كيف تُكتب قصص النجاح وسط رماد الدمار.

المصدر : الامم المتحدة 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق