الاثنين، 3 مارس 2025

البن اليمني: كنز اقتصادي مهدد وسط التحديات

القهوة اليمنية: كنز اقتصادي مهدد وسط التحديات



من بين الجبال الشاهقة والوديان العميقة في اليمن، تزرع واحدة من أندر وأجود أنواع القهوة في العالم، التي تحمل عبق التاريخ ونكهة الأصالة. ورغم أن اليمن كان يومًا من أكبر مصدري القهوة عالميًا، إلا أن هذا القطاع الحيوي يواجه اليوم تحديات كبيرة تهدد استمراره. في ظل النزاع المستمر والقيود الاقتصادية، يقف مزارعو البن أمام خيارات صعبة، بين التمسك بإرث أجدادهم أو البحث عن مصادر دخل بديلة. فهل لا يزال بالإمكان إنقاذ هذه الثروة الوطنية وتعزيز حضورها في الأسواق العالمية؟

قطاع واعد رغم التحديات

يعد قطاع القهوة في اليمن واحدًا من أكثر القطاعات الواعدة، حيث يمتلك إمكانيات تصديرية كبيرة تساهم في التنمية الاقتصادية للمناطق الريفية وتنوع مصادر دخل المزارعين. بحسب دراسة أعدتها منظمة الأغذية والزراعة ومؤسسة التمويل الدولية ونشرها مكتب تنسيق الأمم المتحدة (أوتشا)، تُزرع القهوة في 2.4٪ فقط من الأراضي الزراعية في اليمن، أي ما يعادل نحو 34,981 هكتارًا، وأنتجت البلاد حوالي 20,812 طنًا من القهوة في عام 2019. رغم هذه المساحة المحدودة، ساهم البن بنحو 6٪ من إجمالي عائدات الصادرات الزراعية اليمنية لعام 2020، بقيمة تقديرية بلغت 20.2 مليون دولار. رابط الدراسة

القهوة اليمنية: تاريخ وجودة فريدة

 يتمركز اليمن ضمن "حزام القهوة" العالمي، بحسب الدراسة الدولية، وكان لفترة طويلة أحد أكبر المنتجين والمصدرين لهذا المشروب الفريد. ارتبط اسم "موكا" بميناء المخا اليمني، الذي كان نقطة الانطلاق الأولى للقهوة إلى العالم. يزرع المزارعون اليمنيون القهوة على مدرجات جبلية في بيئة قاسية، مستخدمين أساليب تقليدية تتوارثها الأجيال. تتميز القهوة اليمنية عن غيرها من الأنواع العالمية بنكهتها العميقة ولمحاتها العطرية الفريدة، حيث يسود النوع الأرابيكا، وتحديدًا سلالتي تيبيكا وبوربون.

تأثر الإنتاج والصادرات بالحرب

وشهد قطاع القهوة في اليمن اضطرابات كبيرة بسبب النزاع المستمر منذ 2015، ما أدى إلى تراجع الإنتاج والصادرات بشكل ملحوظ. بينما كانت صادرات القهوة تتراوح بين 44,000 و75,000 طن خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تراجعت بشكل حاد منذ عام 2014، لتصل إلى 36,000 طن فقط في 2019. يعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها صعوبة النقل، ارتفاع تكاليف الإنتاج، وانخفاض دعم القطاع الزراعي من قبل الجهات الحكومية بحسب الدراسة .

سلسلة القيمة في سوق القهوة اليمنية

حيث يهيمن القطاع الخاص على إنتاج ومعالجة وتسويق القهوة في اليمن. وتنقسم منتجات القهوة اليمنية إلى ثلاثة أنواع رئيسية: البن التجاري، القهوة المختصة، و"القشر"، وهو مشروب يمني تقليدي يتم تحضيره من قشور حبوب القهوة. ورغم أن 60٪ من القهوة اليمنية تُخصص للتصدير بحسب الدراسة، ، إلا أن غياب العلامة التجارية الموحدة والتسويق الفعّال يظل عقبة رئيسية أمام توسع هذا القطاع في الأسواق العالمية.

تعتمد جودة البن اليمني وأسعاره على مدى العناية بأشجار القهوة وظروف الإنتاج. بحسب الدراسة الحديثة، يمتلك المزارع اليمني في المتوسط حوالي 0.3 هكتار فقط (أي نحو 394 شجرة قهوة)، وينتج 114 كيلوجرامًا سنويًا، وهو إنتاج منخفض مقارنة بالدول الأخرى.

معوقات التسويق والتصدير

و يعاني سوق القهوة اليمنية من غياب التسويق الاحترافي، حيث تُباع القهوة المحلية في الأسواق الداخلية بأسعار غير تنافسية، دون تمييز واضح بين القهوة عالية الجودة والأنواع التجارية. كما أن عمليات التصدير تعتمد إلى حد كبير على العلاقات طويلة الأمد بين المصدرين والمستوردين، مما يحد من دخول لاعبين جدد إلى السوق. ورغم أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي فتحت آفاقًا جديدة لتسويق القهوة اليمنية، إلا أن التكاليف المرتفعة للإنتاج والمعالجة والتوزيع تحد من قدرة المنتجين على المنافسة في الأسواق العالمية.

الأسواق المستهدفة والتحديات اللوجستية

 تعد السعودية، الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي من أهم وجهات تصدير القهوة اليمنية. ففي عام 2019، بلغت صادرات اليمن من البن نحو 20.2 مليون دولار، بزيادة 11٪ عن عام 2018. كما صدّرت البلاد 1,200 طن من القشر بقيمة 2.5 مليون دولار، ذهب 63٪ منها إلى السعودية بحسب الدراسة .

لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الصراع الدائر أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، مما جعل القهوة اليمنية أقل قدرة على المنافسة. يتركز الإنتاج بشكل أساسي في محافظات صنعاء وصعدة وعمران، مما يزيد من صعوبة إيصال المنتجات إلى الأسواق المحلية والدولية في ظل الأوضاع الأمنية المتوترة والبنية التحتية المتدهورة.

غياب الدعم والتمويل الحكومي

 يعاني قطاع القهوة من غياب التمويل والاستثمار، حيث يواجه المزارعون صعوبة في الحصول على القروض أو الدعم المالي. ورغم وجود مؤسسات حكومية مثل البنك التعاوني الزراعي وصندوق تشجيع الإنتاج الزراعي والسمكي، إلا أن هذه المؤسسات لم تقدم دعمًا فعّالًا للمزارعين بسبب الأزمات الاقتصادية. كما أن الاستثمار الدولي في هذا القطاع ظل محدودًا، حيث تركزت الجهود في تقديم دراسات واستراتيجيات بدلاً من تمويل المشاريع الفعلية.

 لإنقاذ القهوة

بحسب الدراسة الحديثة، يمكن تعزيز قطاع القهوة اليمنية عبر مجموعة من الخطوات، أبرزها تحسين الإنتاج من خلال توفير التدريب للمزارعين على أساليب الري الحديثة، وتحسين جودة الشتلات، وتقديم الدعم في مجال الإدارة الزراعية و تعزيز المعالجة والتصنيع عبر تطوير مراكز معالجة وتجفيف القهوة وفق المعايير الدولية، وتحفيز التعاونيات الزراعية على تبني أساليب إنتاج أكثر كفاءة.

اضافة إلى تطوير التسويق والتصدير من خلال توحيد العلامة التجارية للقهوة اليمنية، وتوسيع نطاق التصدير، وتحسين جودة التعبئة والتغليف وايضا توفير التمويل والدعم عبر تسهيل وصول المزارعين إلى القروض الصغيرة، وتحفيز الاستثمارات المحلية والدولية في القطاع.

بحسب الدراسة الدولية، تمثل القهوة اليمنية إرثًا حضاريًا واقتصاديًا فريدًا، لكنها تواجه تحديات كبيرة تهدد استمرارها. ورغم تراجع الإنتاج والصادرات، لا يزال هناك أمل في إنعاش هذا القطاع من خلال استثمارات مدروسة وإصلاحات حكومية فعالة. ومع تزايد الاهتمام العالمي بالقهوة المختصة، قد يكون هذا الوقت المناسب لإعادة اليمن إلى خارطة القهوة العالمية، واستغلال هذه الثروة الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة ودعم الاقتصاد المحلي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق